سيف الدين الآمدي

290

أبكار الأفكار في أصول الدين

فنقول : اعلم أن التفضيل بين الأشخاص . قد يطلق ويراد به اختصاص أحد الشخصين عن الآخر : إمّا بأصل فضيلة لا وجود لها في الآخر ؛ لكونه عالما ، والآخر ليس بعالم ، أو بزيادة فيها ، كونه أعلم « 1 » . وقد يطلق ويراد به اختصاص أحد الشخصين بأنه أكثر ثوابا عند الله تعالى من الآخر . وعلى هذا ، فإن أريد بالتفضيل الاعتبار الأول ؛ فلا يخفى أن دليل ذلك غير مقطوع به ؛ لتعارض أدلته ، وذلك أنه ما من فضيلة تبين اختصاص بعض الصحابة بها ، إلّا وقد يمكن بيان مشاركة الآخر له فيها ، وبتقدير أن لا يشاركه فيها ؛ فقد يمكن بيان اختصاصه بفضيلة أخرى ، معارضة لفضيلته ، ولا سبيل إلى الترجيح بكثرة الفضائل ؛ لاحتمال أن تكون الفضيلة الواحدة أرجح من فضائل . وذلك إما لزيادة شرفها في نفسها ، أو لزيادة كميتها ، وبالجملة فما يقال في ذلك ؛ فالظنون فيه متعارضة . وإن أريد بالتفضيل الاعتبار الثاني : فلا يخفى أن معرفة ذلك ممّا لا يستقل به العقل ، وإنما مستنده الأخبار الواردة من الله - تعالى - في ذلك على لسان رسوله ، والأخبار الواردة في ذلك كلها أخبار آحاد لا تفيد غير الظن ، ومع ذلك فهي متعارضة كما سبق . وليس الاختصاص بكثرة أسباب الثواب ، موجبا لزيادة الثواب قطعا ؛ إذ الثواب بفضل من الله على ما سبق في التعديل والتجوير « 2 » ، وقد يثيب غير المطيع ، ولا يثيب المطيع ؛ بل إن كان ولا بدّ فليس إلّا بطريق الظن ، وعلى هذا . وإن قلنا بأن إمامة المفضول ، لا تصح مع وجود الفاضل ، فليس ذلك ممّ ينتهض الحكم فيه إلى القطع ؛ بل غايته الظن ، فإجماع الأمة على إمامة أحد ، وإن كان قاطعا في صحة إمامته ؛ فلا يكون قاطعا في لزوم تفضيله « 3 » . ولا خلاف بين أهل الحق أن الأنبياء ، أفضل من الأئمة ، وسائر الأمم . وما ذهب إليه [ غلاة ] « 4 » الروافض من تفضيل عليّ ، على غير محمد - صلى اللّه عليه وسلم - من الأنبياء ، فظاهر

--> ( 1 ) راجع المغنى 20 / 2 / 115 وما بعدها . ( 2 ) راجع ما سبق في الجزء الأول - القاعدة الرابعة - النوع السادس الأصل الأول : في التعديل والتجوير ل 186 / ب وما بعدها . ( 3 ) قارن بما ورد في الإرشاد للجويني ص 142 ، والاقتصاد في الاعتقاد للإمام الغزالي ص 219 . ( 4 ) ساقط من « أ » .